سوق العملات وصناعة الاوهام

 

لفت انتباهي في الآونة الأخيرة أن عدد من اصدقائي ومعارفي عبر مواقع التواصل الاجتماعي يبدون اعجابهم بالإعلانات المروجة لشركات الوساطة المتخصصة بالتجارة في سوق المال، وبسوق العملات ومشتقاته على وجه الخصوص.


ويقصد بسوق العملات والمعروف بالـ (FOREX)، سوق صرف العملات الدولية، والمتاجرة او المضاربة بسعر صرف العملة مقابل عملة اخرى.
تأتينا هذه الاعلانات بألف لبوس ولبوس، فتارة ترى ذلك الشاب ذا الوجه البشوش مصحوب بالابتسامة الساحرة  يحمل عبارة "ربحت 2000 دولار خلال ساعتين"، وتارة اخرى يظهر "الخبير المالي" صاحب الكاريزما موجهاً سؤاله بكل ثقة وتفاؤل: "هل ترغب بكسب مقدار دخل شهري خلال ساعات معدودة ؟"، أساليب سلسة وخداعة تلتحق الى غيرها من الاعلانات المضللة التي تحمل عناوين شديدة الاغراء مثل: " كيف تصبح متداولا ناجحا خلال فترة وجيزة" او "نتيجة تقلبات سعر النفط ربحت 5000 دولار خلال 15 دقيقة"، وغيرها الكثير.


لا يقتصر هذا النموذج من الترويج على شبكات التواصل الاجتماعي فحسب، فتصل شركات الوساطة الى عملائها، وعملائها المحتملين عبر الرسائل الالكترونية والاتصالات عبر الجوال بالإضافة الى اعلانات اختراقية من الصعب تفاديها والتي تحتل مواقع الانترنت من دون استئذان.

وتتميز هذا الشركات بقدرتها العالية على الاقناع والتحايل على الافراد مستهدفة المبتدئين الهواه الذين يفتقرون الى أدنى إلمام بسوق المال ويرغبون بالوصول الى الاستقلال الاقتصادي وبالثراء السريع، علما بان هذه الشركات تبحث عن مصلحتها في تحقيق الربح فقط وتضع جميع مخاطر المضاربة على العميل، حيث ان نصيبه من الربح او الخسارة لا يشغل اهتمامهم قط، ويبذلون (اي الشركات) قصارى جهدهم بالعمل على استمرارية اشتراك المضاربين في اللعبة، فبعد كل صفقة، رابحة كانت ام خاسرة، يعودون حريصين ليهيئوا لنا بأن الصفقة الكبرى باتت اَزفة، وليس بحرصهم الا بغية الاستمرارية في حصد الارباح والعمولات. ...وتستمر اللعبة.
كذلك لا يمكن حصر أساليب الترويج بإعلان كهذا او كذاك، فهي تشكل صناعة ضخمة وواسعة الانتشار، صناعة اوهام مفادها جذب عدد أكبر من العملاء واقناعهم على رفع رصيدهم بقدر الإمكان، وما ذكرته أعلاه من إعلانات ليس إلا على سبيل المثال لا الحصر.


نعم، إنها صناعة الأوهام التي تحثنا بجاذبيتها الى الانخراط في سوق الفوركس ومشتقاته موهمة إيانا بالصعود الى الطريق السريع والحتمي للثراء والاستقلالية الاقتصادية. وفي غالبيتها تعتمد هذه النماذج من الترويج على ما يسمى بـ"وهم التصديق" فبموجبه يحرص المسوق على إظهار الوجه الحسن لصناعته متجاهلا تماما الجانب المظلم بكل ما يتضمنه من أهمية وضرورة قصوى لاتخاذ القرارات. فلو كان بوسعي التحدث إلى ذلك الشاب ذي الوجه البشوش، لسألته ضاحكا "هنيئا لك بما كسبت، ولكن هل لك أن تخبرني عن خسائرك في باقي صفقاتك؟"، ففي وسط تلك الاعلانات الساحرة والوعود المعسولة يتوجب علينا ان نتذكر بأن غياب الحقيقة او جزء منها لا يدل على عدم وجودها، وليس بالأمر الكافي لتهميشها، بل على النقيض تماما، فالإخفاء المقصود للحقائق يشير وبوضوح الى ما ينطوي عليها من اهمية.


قد تختلف الدراسات والاحصائيات في تقدير وتقييم حجم التداول لدى المضاربين الأفراد، لكنها تتفق مجتمعة على أن أكثر من 95% منهم يتكبدون الخسائر في نهاية المطاف، وذلك لكثرة المخاطر وتنوعها التي يتميز بها هذا المجال خاصة للذين ليس لديهم الخبرة والالمام الصحيح بالسوق. فمقارنة بسوق تداول الاسهم، الخوض في سوق العملات يعد من اخطر انواع المضاربة المالية، الى حد تشبيهه بالكازينو، احدهم يربح وآخرون يخسرون.

 

ففضلا عن خاصية التقلبات السريعة والمتواصلة لأسعار العملات، تكمن الخطورة في خاصيتين اساسيتين:
اولا: لعبة "المجموع صفر" (Zero Game): إن واقع سوق العملات يتمثل بمعركة متواصلة بموجبها تعقد صفقات البيع والشراء بين العملاء سعياً للربح، فكل من الطرفين، البائع والمشتري، اعداء في هذه المعركة، حيث أن ربح أحد الاطراف مصدره بالضرورة خسارة الطرف الآخر. ومن هذا المنطلق، فإن المضارب البسيط وبإمكانياته المتواضعة يخوض معركة شرسة تشترك فيها عمالقة الشركات العالمية كالبنوك الاستثمارية وصناديق الاستثمار، انضمت اليها مؤخرا شركات التداول الحسابي (Algo Trading) كلاعب حيوي بالأسواق المالية، فجميعها تتمتع بالاحترافية والتقنية العالية والتكنولوجيا المتقدمة لتمنحها القوة المطلقة للانتصار في هذه المعركة.


ثانيا: المتاجرة او المضاربة بنظام الهامش، ويعرف ايضا بالرافعة المالية. طبقا لهذه الخاصية يتوجب على العميل ايداع نسبة ضئيلة مقابل المبلغ المراد المضاربة به (غالبا 1%). فمقابل شراء 100,000 دولار يتوجب ايداع رصيد بمبلغ 1000 دولار فقط (1%). وتقترن خطورة هذا النوع من المضاربة بخاصية التقلبات السريعة والمفاجئة التي يتمتع بها سوق العملات. ففي حالة اقتناء عملة معينة مقابل بيع عملة اخرى (كالدولار مقابل الشاقل، او الدولار مقابل اليورو)، فإن هبوط سعر الصرف بنسبة 1%  فقط كاف لتكبيد العميل خسارة جل رصيده. وكلما ازدادت الرافعة المالية ازدادت نسبة الخطورة. 


وعلى الرغم من الخطورة المتجسدة بالرافعة المالية، يتقن المسوق كيفية استغلالها ليحولها الى مصيدة لاصطياد العملاء المتعطشين للربح السريع. فبكل ثقة مصحوبة بالتفاؤل يبهرنا المسوق بالفرصة المتاحة لنا لمضاعفة رصيدنا اذا ما ارتفع الدولار فقط بنسبة 1%، مهمشا او متجاهلا الاتجاه الاخر للسوق.


لن أتطرق في هذا المقال الى نظام التجارة بالهامش بمنظور اسلامي. فان اهمية وحساسية الموضوع يجبرني على تخطيه أملا ان يحظى باهتمام طاقم الجمعية، فقد لمست في بعضهم الالمام العميق به والذي يفوق معرفتي المتواضعة.
إن الاستمرار في الابداع والاحتراف في طرق التسويق هو نتيجة مباشرة للتنافس العنيف بين شركات الوساطة، حيث تجتهد كل منها بإقناعنا أنها تمتلك المعادلة السحرية لتحقيق امانينا واحلامنا. وتشهد بلادنا انتشار واسع لهذه الشركات مستغلة عدم وجود جهة رقابية معتمدة، كما ويحرص السماسرة على توظيف مسوقين من الوسط العربي، ليس لاستهداف ابناء شعبنا فحسب، بل لاصطياد اثرياء العالم العربي وتحديدا اثرياء دول الخليج معتبرة اياهم فريسة سمينة وسهلة مستغلين ضخامة هذه الأسواق إضافة الى غياب ثقافة الاستثمار والتربية الاقتصادية وادارة المخاطر المالية عن العالم العربي.


ان احتلال شركات الفوركس الإسرائيلية لأسواق العالم العربي ليس علنياً. فطبقا لاتفاقية العمل يتعهد الموظف العربي بالسرية وعدم الافصاح عن الهوية الاصلية للشركة، ويلزموه بتقمص هوية دولية مدعين ان الشركة تتخذ من قبرص او لندن او غيرها من دول العالم مقرا لها.


قد يتعجب بعض القراء من الجهات الرقابية، عالمية كانت ام محلية، بعدم حظرها لهذا السوق لما تنطوي عليه من مخاطر كبيرة. ففي الأساس، يستخدم سوق العملات كأداة حيوية بيد التجار والمستوردين والموردين وشركات الاستثمار بغرض التحوط (Hedging) ضد المخاطر المالية الناجمة عن التقلبات بأسعار الصرف، فالاستخدام الصحيح والمدروس لهذه الأداة يعود بالمنفعة على المصالح التجارية لتعكس وضعا إيجابا على مدخولاتها وارباحها، ولا يستخدم سوق العملات بحد ذاته للمضاربة. الا أن المضاربين ينخرطون فيه مستغلين السيولة العالية للسوق والتداول المتواصل من فجر الاثنين وحتى مساء الجمعة وتوفر القنوات الالكترونية المختصة بذاك.


ليس الهدف من هذا المقال هو الترهيب والتخويف من أسواق المال او سوق العملات، انما لإظهار الصورة كاملة بهدف التوعية وأخذ الحيطة والحذر وعدم الانجراف خلف مغريات لا تغني ولا تسمن من جوع. فقبل خوض غمار التجارة من المطلوب التريث وأخذ الوقت الكافي للتعرف على طبيعة وأصول السوق. إنها تجارة كأي تجارة، تتمتع بميزات متنوعة تتطلب الدراسة الكافية والتعلم المستمر على الصعيدين النظري والعملي، ففي حين ادراك المخاطر وحجمها واتخاذ الاستراتيجية المثبتة علميا وتطبيقيا بعيدا عن السلوكيات السلبية والتأثيرات النفسية المتقلبة، قد تجد المنفعة المادية في هذا المجال، وتذكر دائما مقولة الملياردير الشهير وارن بافت (ً (Warren Buffettالذي حقق ثروته من الاستثمار في سوق الاسهم "اكبر مخاطرة تأتي حينما لا تعلم ما تقوم به".

أضف تعليق

أسعار عملات

دولار امريكي
3.613 ₪
يورو
4.249 ₪
دينار اردني
5.096 ₪
جنيه استرليني
4.632 ₪
جنيه مصري
0.203 ₪
ليرة لبنانية
0.002 ₪
درهم اماراتي
0.984 ₪
ين ياباني
0.033 ₪
دينار كويتي
11.968 ₪

اكتب معلوماتك لتصلك اخر الاخبار

تسجيل